محمد عبد المنعم خفاجي

258

الأزهر في ألف عام

للخلف من هذه الكتب القيمة ، وتصرفوا فيها تصرف الملاك فباعوها مع نفاستها بالثمن البخس » ولا أدل على مقدار ما فقدت مكتبات الأزهر في الماضي من المثال الآتي : « حوالي سنة 1270 ه - 1853 م أمر ديوان عموم الأوقاف بجرد كتب مكتبات المساجد والتكايا وأروقة الأزهر وحاراته وقيدت جميعها في سجلين جامعين ، خصص أولهما لمكتبات الجامع الأزهر ، وثانيهما لمكتبات المساجد والتكايا ، وقد بلغ مجموع المجلدات الموجودة في ذلك الوقت في مكتبات أروقة الأزهر وحاراته 18564 مجلدا : فإذا رجعنا الآن إلى هذا السجل التاريخي فلا نجد من أثمن الكتب وأنفسها إلا أسماءها ، وكأن هذين السجلين أنشأ ليكونا في الواقع مرشدا لأيدي الاغتيال التي عمدت إلى أنفس ما في المكتبات من المؤلفات الأصيلة القيمة فانتهبتها انتهابا . « وأغرب من هذا أن نفس السجلين تسربا أيضا إلى أيد أجنبية خارج الأزهر ولم يعودا اليه إلا بالشراء سنة 1911 م ودفع لهما ثمن قدره 150 قرشا ، وأعيد قيدهما بالمكتبة » . ويقول الأستاذ عبد الكريم سلمان : « كان في الأزهر خزائن كتب وضعت في بعض الأروقة والحارات وبعضها في المساجد القريبة كجامع الفاكهاني وجامع العيني ونيط حفظها جميعها بأشخاص يقال لهم « المغيرون » فتصرفوا فيها تصرفا سيئا للغاية صح معه اطلاق اسم « المغيرين » عليهم ، لأنهم غيروا وضعها وشتتوا جمعها ، ومزقوا جلودها وأوراقها ، وتركوا ما لا عناية لهم به منها في التراب يأكله العث ويبليه التراب ، وهذا غير ما تصرفوا فيه تصرف الملاك وطار بأيدي باعة الكتب ، يباع على نفاسته بالثمن البخس ، ولم يبال المتصرف الأول والباغة بما كتب على ظهور تلك الكتب من العبارات التي تفيد وقفها على طلبة العلم والعلماء ، وبالجملة فلم يكن ليعرف للكتب قيمة ، ولا لينتفع بها لعدم إمكان الانتفاع » . ولقد كان تعرض كتب الأروقة والحارات للضياع والتسرب إلى أيدي المترصدين لها ممن يعرف مقدارها ، هو الذي أوحى إلى الإمام بفكرة إنشاء المكتبة ، وقد تقدم بها إلى مجلس إدارة الأزهر وكان ذا نفوذ فيه فنالت القبول من أعضائه ،